أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

ماذا يفعل الحوثيون في بورتسودان؟

بدأ اسم الحوثيين يظهر بصورة متزايدة في سياقات مرتبطة بالساحة السودانية، في تطور يثير تساؤلات حول اتساع نطاق تحركات الجماعة خارج اليمن، ودورها المحتمل ضمن شبكة علاقات إقليمية تمتد عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتحدث تقرير لمجلة أميركية عن تصاعد نشاط الحوثيين في السودان، بما يشمل نقل أسلحة وخبرات عسكرية إلى فصائل متحالفة مع القوات الموجودة في بورتسودان، إلى جانب تنظيم تدريبات، بالتزامن مع وجود عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وتسلط هذه المعطيات الضوء على تحول محتمل في طبيعة الأدوار داخل شبكة الحلفاء المرتبطين بإيران، إذ لم تعد طهران بالضرورة المصدر المباشر لجميع الأسلحة والخبرات، مع اكتساب بعض الجماعات الحليفة لها قدرات عسكرية وتقنية يمكن نقلها إلى أطراف مسلحة في ساحات أخرى.

تحول في أدوار الحوثيين

تكمن أهمية هذه التطورات في احتمال انتقال الحوثيين من جماعة تعتمد بصورة أساسية على الدعم الخارجي إلى طرف يمتلك خبرات عسكرية يمكن توظيفها خارج الأراضي اليمنية.

وخلال أكثر من عقد من الحرب، راكم الحوثيون خبرات في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والعمليات البحرية، إضافة إلى تطوير شبكات للتهريب والعمل غير النظامي، ما قد يجعل بعض هذه القدرات قابلة للنقل إلى جماعات مسلحة في مناطق أخرى.

ويكتسب السودان أهمية خاصة في هذا السياق بسبب موقعه على الضفة الغربية للبحر الأحمر وقربه من اليمن، فضلاً عن موقعه عند تقاطع طرق بحرية وتجارية تربط الشرق الأوسط بالقرن الأفريقي.

وتشير التقارير التي تناولت النشاط الحوثي إلى أن العلاقة المحتملة مع أطراف سودانية قد تتجاوز الاتصالات السياسية أو الدعم اللوجستي، لتشمل نقل المعرفة والخبرات التي اكتسبتها الجماعة خلال سنوات الصراع في اليمن.

من متلقٍ إلى ناقل للخبرة

أدى تراكم القدرات العسكرية لدى الحوثيين إلى تغيير موقعهم داخل شبكة العلاقات الإقليمية المرتبطة بإيران.

فبدلاً من الاكتفاء بتلقي الأسلحة والتدريب، باتت الجماعة تمتلك خبرة في تشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة وتنفيذ العمليات البحرية، وهي خبرات يمكن أن تستفيد منها جماعات أخرى في مناطق تشهد صراعات مسلحة.

وتزداد حساسية هذا التطور مع وجود مؤشرات على اتصالات بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ما يفتح المجال أمام انتقال الخبرات والقدرات عبر البحر الأحمر.

كما أن وجود طرق بحرية تستخدم في عمليات التهريب يوفر بيئة يمكن من خلالها نقل الأسلحة والمعدات بين ضفتي البحر الأحمر، رغم صعوبة التحقق بصورة مستقلة من طبيعة هذه الشبكات وحجم نشاطها.

السودان والقرن الأفريقي في الحسابات الجديدة

لا يقتصر الاهتمام بالسودان على موقعه الجغرافي، بل يرتبط أيضاً بتعقيدات الصراع الداخلي وتعدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب الممتدة في المنطقة.

وقد يؤدي تداخل هذه العوامل إلى توفير مسارات جديدة لنقل الأسلحة والمعدات والخبرات، خصوصاً في المناطق الساحلية التي تعاني ضعفاً في الرقابة الأمنية.

كما سبق أن تحدثت الأمم المتحدة عن اتصالات بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، تضمنت، وفق تقارير أممية، مناقشات بشأن نقل أسلحة وتقديم تدريبات لأفراد من الحركة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة بين الحوثيين وبعض الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي قد لا تكون وليدة التطورات الأخيرة، بل تعود إلى فترة سبقت التصعيد البحري الذي بدأه الحوثيون في البحر الأحمر أواخر عام 2023.

الضغط على الممرات البحرية

يرى خبراء أن اتساع النشاط المرتبط بالحوثيين في الضفة الأفريقية للبحر الأحمر قد تكون له تداعيات تتجاوز الصراع السوداني، نظراً إلى أهمية المنطقة بالنسبة للملاحة الدولية.

فمضيق باب المندب يمثل نقطة اتصال أساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويمر عبره جزء مهم من حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وأي توسع في شبكات السلاح أو الجماعات المسلحة على جانبي الممر البحري قد يزيد من تعقيدات المشهد الأمني، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار الهجمات على السفن أو تصاعد عمليات التهريب.

كما يمكن أن يمنح وجود شبكات مسلحة على السواحل الأفريقية بعض الأطراف مساحة أكبر لتخزين المعدات أو نقلها، إلا أن مدى استخدام هذه المناطق فعلياً لهذا الغرض يبقى موضع تقييم ويحتاج إلى أدلة ميدانية مستقلة.

شبكة نفوذ تتجاوز اليمن

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الهدف من توسيع هذه العلاقات لا يرتبط فقط بنقل السلاح، بل بإقامة شبكة من الفاعلين المسلحين الذين يمكنهم العمل في مناطق مختلفة، بما يزيد الضغوط على القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، قد يؤدي التعاون بين جماعات ذات خلفيات وأهداف مختلفة إلى خلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا التقت مصالحها في مجالات مثل التهريب أو مواجهة خصوم مشتركين.

ويضع هذا السيناريو البحر الأحمر والقرن الأفريقي واليمن ضمن مساحة أمنية مترابطة، بدلاً من التعامل مع كل ساحة باعتبارها أزمة منفصلة.

ما الذي يريده الحوثيون؟

تتعدد التفسيرات بشأن أهداف النشاط الحوثي المحتمل في السودان والقرن الأفريقي، بدءاً من تأمين طرق الإمداد والتهريب، وصولاً إلى توسيع نطاق النفوذ وبناء علاقات مع جماعات مسلحة يمكن الاستفادة منها مستقبلاً.

كما أن امتلاك موطئ قدم على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر قد يمنح الجماعة خيارات إضافية للتحرك في منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة.

لكن الانتقال من هذه الاحتمالات إلى اعتبارها استراتيجية متكاملة يحتاج إلى أدلة أكثر وضوحاً بشأن حجم الوجود الحوثي وطبيعة المهام التي ينفذها وعلاقته بالأطراف المسلحة في السودان والقرن الأفريقي.

ومع ذلك، فإن مجرد ظهور مؤشرات على انتقال الأسلحة أو التدريب والخبرات بين الحوثيين وجماعات مسلحة في المنطقة يكشف عن تحول أوسع في طبيعة الصراع الإقليمي، إذ أصبحت الخبرة التي راكمتها الجماعة خلال سنوات الحرب في اليمن قابلة للتوظيف خارج حدودها.

وبذلك، قد لا يكون النشاط الحوثي في بورتسودان مجرد امتداد للصراع اليمني، بل جزءاً من مشهد أمني أوسع يتشكل على جانبي البحر الأحمر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الملاحة والتجارة الدولية وتوازنات القوى في القرن الأفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى